ابن أبي مخرمة

278

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

السنة الثامنة والأربعون استهلت والفرنج على المنصورة ، والمسلمون بإزائهم مستظهرون ؛ لانقطاع الميرة عن الفرنج ، ووقوع المرض في خيلهم ، وعزم ملكهم على السير في الليل إلى دمياط ، ففهم المسلمون ذلك ، وكان الفرنج قد عملوا جسرا من صنوبر على النيل ونسوا قطعه ، فعبر عليه المسلمون ، وأحدقوا بهم ، فتحصنوا بقرية منية أبي عبد اللّه ، وأخذ أسطول المسلمين أسطولهم أجمع ، وقتل منهم خلق ، فطلب ملكهم الطواشي رشيد وسيف الدين القيمري فأتياه ، فكلمهم في الأمان على نفسه وعلى من معه ، فعقدا له الأمان ، وانهزم جلّ الفرنج ، فحمل عليهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف ، وغنم الناس ما لا ينحصر ، وأركب ملك الفرنج في حراقة « 1 » ، والمراكب الإسلامية محدقة به تخفق بالكوسات والطبول ، وفي البر الشرقي الجيش سائر تحت ألوية النصر ، وفي البر الغربي العربان والعوام ، وكانت ساعة عجيبة ، واعتقل ملك الفرنج بالمنصورة ، وكانت الأسرى نيفا وعشرين ألفا ، فيهم ملوك وكبار الدولة ، وكانت القتلى سبعة آلاف ، واستشهد من المسلمين نحو مائة نفس ، وخلع الملك المعظم على الكبار من الفرنج خمسين خلعة ، فامتنع الكلب ملكهم من لبسها وقال : أنا مملكتي بقدر مملكة صاحب مصر ، كيف ألبس خلعته ؟ ! ثم بدت من المعظم خفة وطيش وأمور خرج عليه بسببها مماليك أبيه فقتلوه ، وقدموا على العسكر عزّ الدين التركماني الصالحي ، وساقوا إلى القاهرة بعد أن استردوا دمياط من الفرنج ، وذلك أن حسام الدين بن أبي علي أطلق ملك الفرنج على أن يسلم دمياط وعلى بذل خمس مائة ألف دينار ، فأركب بغلة ، وساق معه الجيش إلى دمياط ، فما وصلوا إلا وأوائل المسلمين قد ركبوا أسوارها ، فاصفر لون ملك الفرنج ، فقال حسام الدين : هذه دمياط قد ملكناها ، والرأي ألا يطلق هذا ؛ لأنه قد اطلع على عورتنا ، فقال عزّ الدين التركماني : لا أرى الغدر ، فأطلقه . ولما قتل الملك المعظم . . قصد الملك الناصر صاحب حلب دمشق ، واستولى عليها ، ثم بعد أشهر قصد الديار المصرية ليتملكها ، فالتقى هو والمصريون بالعباسة ، فانهزم المصريون ودخل أوائل الشاميين القاهرة ، وخطب بها للناصر ، فالتف على عزّ الدين التركماني والفارس أقطايا نحو ثلاث مائة من الصالحية ، وهربوا نحو الشام ، فصادفوا فرقة

--> ( 1 ) الحراقة : ضرب من السفن ، فيها مرامي النيران ، يرمى بها على العدو في البحر .